الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
39
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ذلك كلّه فلا يقضي فيها طبع فريق على فريق . والمحرّمات فيها من الطعوم ما يضرّ تناوله بالبدن أو العقل كالسموم والخمور والمخدّرات كالأفيون والحشيشة المخدّرة ، وما هو نجس الذات بحكم الشرع ، وما هو مستقذر كالنخامة وذرق الطيوب وأرواث النعام ، وما عدا ذلك لا تجد فيه ضابطا للتحريم إلّا المحرّمات بأعيانها وما عداها فهو في قسم الحلال لمن شاء تناوله . والقول بأنّ بعضها حلال دون بعض بدون نصّ ولا قياس هو من القول على اللّه بما لا يعلمه القائل ، فما الذي سوّغ الظبي وحرّم الأرنب ، وما الذي سوّغ السمكة وحرّم حيّة البحر ، وما الذي سوّغ الجمل وحرّم الفرس ، وما الذي سوّغ الضبّ والقنفذ وحرّم السلحفاة ، وما الذي أحلّ الجراد وحرّم الحلزون ، إلّا أن يكون له نصّ صحيح ، أو نظر رجيح ، وما سوى ذلك فهو ريح . وغرضنا من هذا تنوير البصائر إذا اعترى التردّد لأهل النظر في إناطة حظر أو إباحة بما لا نصّ فيه أو في مواقع المتشابهات . وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ . يجوز أن يكون عطفا على الطَّيِّباتُ عطف المفرد ، على نيّة مضاف محذوف ، والتقدير : وصيد ما علّمتم من الجوارح ، يدلّ عليه قوله : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ . فما موصولة وفاء فَكُلُوا للتفريع . ويجوز أن يكون عطف جملة على جملة ، وتكون ( ما ) شرطية وجواب الشرط فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ . وخصّ بالبيان من بين الطيّبات لأنّ طيبه قد يخفى من جهة خفاء معنى الذكاة في جرح الصيد ، لا سيما صيد الجوارح ، وهو محلّ التنبيه هنا الخاصّ بصيد الجوارح . وسيذكر صيد الرماح والقنص في قوله تعالى : لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ [ المائدة : 94 ] والمعنى : وما أمسك عليكم ما علّمتم بقرينة قوله بعد فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ لظهور أن ليس المراد إباحة أكل الكلاب والطيور المعلّمة . والجوارح : جمع الجارح ، أو الجارحة ، جرى على صيغة جمع فاعلة ، لأنّ الدوابّ مراعى فيها تأنيث جمعها ، كما قالت العرب للسباع : الكواسب ، قال لبيد : غبس كواسب ما يمنّ طعامها ولذلك تجمع جمع التأنيث ، كما سيأتي فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ .